فردوس العـــــراق المـفـقــــود

كتبهاالقعقاع ، في 3 تشرين الثاني 2009 الساعة: 14:52 م

بعض من قديم اضعنــــــــــــــــــاه
ألأهـــوار … فردوس العـــــراق المـفـقــــود

ميثــــم مهــدي

من منا لم يرى اهوار العراق اويشاهدها من خلال الافلام اويقرأ عن معالمها .. اما الذين عاشوا بها وعايشوها لعقود طويله فهم الذين يشعرون بالفجيعة لفقدانها .
الكثير قد لايعرف عن الاهوار الشيئ الكثير ولم يصل حافاتها ولم يحمله التأمل بشروق الشمس وغروبها ..اكثر من نصف قرن وأنا اجوب اهوار الجنوب خلال مواسم الصيد للطيور المهاجره من شهر تشرين الاول حتى نهاية شباط من كل عام .. عرفتها صغيرا في الخمسينات وتسلل جمالها وروعتها وهدوئها الى اعماقي فانطبع في حدقات العيون .. كانت واحات أمن وأمن وراحة واستجمام ..
 
اجمل ماتراه العين شروق الشمس من خدرها كعروس تتثاءب في صبحية زواجها خجولة مرحه لتثير الدفئ بأعواد البردي والجولان وتغمر اعطاف الصيادين بحلول يوم حافل بالصيد …ليس هناك اجمل من اشعة الشمس وهي تعانق اطراف البردي في صباح مشرق ترتعش فيه اطراف الصياد بزمهرير الشتاء … الاهوار عالم فسيح .. جنة لمحبيها .. تأمل لاحدود له .. مساحات مياه صافية تحملك الى عالم الدعة والاسترخاء .. جزر طبيعية محاطة بالبردي وسط تلك المساحات من المياه التي تمنحها جمالا مابعده جمال .. النوارس تحوم في السماء الزرقاء الصافيه وتتجمع اسراب البجع الشديد النهم في المياه بحثا عن الاسماك وتتسابق طيور الجهلول حول حافات الهور بخفة ورشاقه بحثا عن طعامها وسط صفيرها المعتاد وكأنها تشكر الخالق على ماوهبها من خير وفيــر .
حينما يقف الصياد منتصب القامه نشطا مرحا بعد جولة الفجر قضاها في الصيد حاملا صيده بكل اعتزاز مفاخرا اقرانه فتنهال النكات والتعليقات وسط جو من المرح ليجتمع الرفاق خارج خيمتهم يستنشقون نسيم الصباح مع رائحة قوري الشاي حيث يتناولون افطارهم المعتاد
فالخبز الطازج والقيمر مع مربى الركي الصيني ماركه مالانك وعدد من البيض المسلوق الذي يشترونه من قرى سكان الاهوار القريبه ..يبعث الرضا والقناعه .. في الاهوار تأمل عجيب تختلط فيه لحظات شروق الشمس وغروبها وانبثاق القمر بلونه الفضي الجميل الذي يحيل مياه الاهوار الى طبق فضي ليس له حدود … حينما يسدل الظلام استاره تخرج الضفادع من مكامنها لتبدأ سمفونيات نقيقها مختلطة بصراخ الجهاليل ونغيق الوز وصراخ الخضيري في اعماق البردي حينما يأوي اليها بحثا عن طعامه .. وفي سكون الليل يشاهد الصياد زوارق سكان الاهوار الصغيره والتي لاترى الا من خلال سراج صغير في مقدمتها هو عبارة عن زجاجة مملؤءة بالكاز وبداخلها فتيلة قطنيه وقد اغلقت فتحتها بالتمر منعا للتسرب يشعلها الصياد المحترف ليلا للتعرف على الطيور المجتمعه في المياه الهادئه كي يسدد بندقيته البدائية الصنع التي يسمونها التنبله ولااحد يدري سبب هذه التسميه لأنها نسخة مصغرة من البنادق القديمة التي تحشى بالبارود وحبات الرصاص وحينما تنطلق تدوي في جنبات الهور دويا يتردد اصداءه فهولاء يصطادون في المواسم لتوفير حياتهم المعيشيه وارضاء لهوايتهم … لم يكونوا ابدا منافسين لهواة الصيد بل كانوا ادلاء ورفاق فكم من المرات يجدون في مخيمات الصيادين ملجأ وملاذا حين اشتداد العواصف اوالحاجة لدواء اوتناول الشاي وتبادل الاحاديث … حياتهم بالغة الخشونه ..لكن لم تمنعهم من البحث عن لقمة العيش رغم المخاطر التي يتعرضون لها من غضب الطبيعه وانفجار بنادقهم .. كان الليل لهم ستارا ومسرحا … والصياد يغط في نوم عميق في خيمته على انغام نقيق الضفادع وصراخ الجهاليل ونغيق الوز ودوي بنادق سكان الاهوار .. كانت الحياة آنذاك هادئة كمياه الاهوار مليئة بالخير والراحه فلا يعكر صفوها معكر فكثيرا مايصحو الصياد مبكرا على انغام صيادي الاسماك الذين يطلق عليهم البرابره وهم يقرعون الصفائح الفارغه لدفع الاسماك الى شباكهم في ابلامهم ومشاحيفهم .. ويستمر القرع ويستمر العطاء .
المشاعر التي تغلي في صدور كل من عشق الصيد والاهوار اكبر من احتماله حينما يتذكر ذلك الفردوس المفقود الذي عاش بين احضانه عقودا عده مفتقدا راحة البال وهدوء النفس والشعور بالغبطة في هذا المكان الذي عاش فيه وعايشه طيلة سنين حياته .
من لايعرف طبيعة الاهوار لايدرك جمالها ولو شاهدها اليوم فلن يجد سوى اطلالها وخرائبها
لقد اصبحت اهوار العراق اطلالا كأطلال اور وبابل .. اختفى سماع شاب اضناه العشق يمخر عباب الهور بقاربه الصغير يردد بوذية حزينه تشرح معاناة الحبيب المحروم .. وتوقف دوي بنادق محترفي الصيد فقد جفت الاهوار ونعت ساكنيها .
خلال السبعينات ونتيجة للسياسة العدائية لتركيا  ومخالفتها المعاهدات الدوليه بأنشاء السدود الضخمه وحجب كميات المياه المخصصه للعراق من نهري دجلة والفرات اضافة الى قيام الحكومات المتعاقبه بالعمل على تجفيف الاهوار ضمن خطة مجلس الاعمار الذي اقر الخطه قبل ثورة 14 تموز اضافة الى لجوء اعداد كبيره من الهاربين من الخدمة العسكريه واعوان ايران من حزب الدعوه واللصوص والمجرمين واتخاذ تلك المناطق الهادئه اوكارا لممارسة اعمالهم الاجراميه بالاضافة الى لجوء اعداد من ذوي العاهات من اعضاء الحزب الشيوعي العميل الى الاهوار خاصة هور الغموكه والحمار جعل تلك المناطق الامنه مصدر مخاطر واعتداءات مما افقدها خاصيتها في الهدوء والطمأنينه وصارت تجمعات سكانها من عشائر المعدان ملاذا للمجرمين الهاربين من الاحزاب العميله وقطاع الطرق مما جعل مناطقهم هدفا لحملات عسكريه القصد منها تطهير تلك المناطق من تلك العصابات الاجراميه وان ساهم بعضهم في ايواء هولاء وتوفير الغذاء والامداد لهم مما عرضهم الى عقوبات اضرت بهم.
لقد تناوبت على الاهوار حالات كارثيه اضرت بسكانها فبالاضافة الى شحة المياه وجفاف الاهوار فقد العراق موردا لايستهان به من ثرواته الطبيعيه التي انعم بها الخالق على هذه الارض المعطاء فقد اختفت الاسماك والطيور وشحت منتجات الالبان التي يزود بها سكان الاهوار مصانع الالبان من جواميسهم التي كانت عماد معيشتهم وفقد الالاف مصدر رزقهم بسبب جفاف الاهوار التي هي المرعى الرئيس لقطعان الجواميس واضطر اصحابها الى بيعها بأبخس الاثمان خوفا من نفوقها وخسارتها .. لقد تجولت في مناطق الاهوار بعد ان عانت الجفاف فقد كانت تلك المناطق تخضع لحالات المد والجزر فتارة تفيض واخرى تنحسر تبعا لحركة الريح والمد وكان الماء حلو المذاق يروي سكان تلك المناطق .. وحينما تفقدت مناطق الاهوار هالني حجم الكارثه وان على محبي تلك الاماكن ان يلقوا تحية الوداع على فردوسهم المفقود … وخلال تلك الفترة ماقبل الاحتلال ارتفعت اصوات الذين يدعون الانسانيه والحفاظ على البيئه محملين الحكومات السابقه مسئولية جفاف الاهوار وأقامة السواتر والسدود وتهجير سكانها غير مدركين ان حصة العراق من المياه تدنت الى حد كبير واتذكرتماما زيارتي لنهر الفرات في شهر كانون الثاني سنة 1990 حيث وجدت هذا النهر العظيم المتلاطم الامواج اصبح ساقية صغيرة تشرب منها الاغنام فقد اعلنت تركيا حينها بأنها ستقوم بحجب المياه عن سوريا والعراق لمدة شهر لأجراء صيانة دورية لسدودها التي تجاوزت العشرين سدا … وبعد فترة من الزمن اغرقت جارتنا المسلمه مناطق شاسعه بمياه آسنه هي تراكمات مياه عفنه تم تخزينها في سدودها مما سبب اضرارا جسيمه للمزارع والسكان الذين نفقت مواشيهم من تلك المياه الملوثه .. اضافة الى ماجرى دأب نظام الملالي الى اتباع سياسة الحقد المتأصل في نفوسهم فقطعوا المياه من الروافد التي تنبع من جبالهم مما سبب نقصا حادا في توفير مياه الشرب وخلال رحلاتي الى شرق العماره وبالذات هور الدويريج وبزركان والطيب وجدت ان نظام الملالي اوقف جريان الانهار التي تصب في الاراضي العراقيه مبررا احقاده الدفينه حاجته الى مياه تلك الانهار .
اليوم ومن خلال مشاهدتي لبرنامج عن الاهوار في قناة الشرقيه التي بثت هذا البرنامج ليلة البارحه موضحة للعالم اجمع ان العراق معرض لكارثة بيئيه لايعلم الا الله مدى اضرارها فمازالت حكومة الاحتلال مشغولة باللغف ومطاردة عصابات لصوص المصارف ومحلات الصرافه وقضاء الوقت بزيارة ادلاء الخيانة قادة الكرد والمسارعة للحصول على بركات حفيد كونتي كونتا واوامره .. فهي ابعد ماتكون عن القيام بعمل ما لأحياء تلك المعالم التاريخيه التي ستصبح خلال اعواما قليله اثرا بعد عين .. من مشاهدتي للبرنامج عن الاهوار في قناة الشرقيه ادركت بالدليل الملموس اننا سنفقد اجمل معالم البيئه .. ذلك الفردوس الرائع الذي سيضيع كما ضاع العراق من شماله الى جنوبه مسحوقا ببساطيل جنود الاحتلال واعوانه من شذاذ الافاق … لكن أنا لهم ان ينالوا من كرامة الوطن الجريح مهما تكالبت عليه ذئاب الشرق والغرب فقد وجد العراق ليبقى رغم كل الدمار الذي مر به منذ اجتياح هولاكو حتى اجتياح علوج الروم والفرس … حينها سيعود عراق الخير بلد الحضارات والرقي وستعود الاهوار جنة عشاقها الذين طال بهم النوى ليعودوا ينصتون لنقيق الضفادع ونغيق الوز وبوذيات عاشق محروم .. فمتى يزول الكابوس من على صدور هذا الشعب الجريح ؟
نسأل الله ان يمن علينا بالفرج العاجل بزوال هذا الحكم البغيض من علوج الروم والفرس.
وأن غدا لناظره قريب.
ميثــــم مهــدي

jaikoor578@yahoo.com

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تقرير مصور | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر