|
نبيل عواد المزيني
مقدمة البحث
لقد اهتم الأسلام بالمرأة , فذكرها اللة في كتابة , وخصها ببعض أياتة , وخاطبها الرسول في احاديثة , بل جعل للنساء يوما يحدثهن فية , لما للمرأة من دور عظيم في المجتمع وأثرا كبير في حياة أبنائها , وقد نجح شاعر النيل حافظ ابراهيم في التعبير عن ذلك حينما قال :
الأم مدرسة إذا أعددتها *** أعددت شعبا طيب الأعراق

واقدم للقارئ الكريم والباحث الامين هذا البحث والترجمة لأحدي النساء اللائي انجبتهن هذة الامة من خلال تعاليمها السامية التي صانت المرأة وحافظت عليها عزيزة كريمة منذ طفولتها وحتي وفاتها , وعكست بذلك صورة تربوية مشرقة في العناية بالمرأة البنت و الاخت والزوجة و الأم .
بحثنا هو ترجمة للعالمة الفقيهة أخت الإمام المزني وأم الإمام الطحاوي , والقصد من وراء هذا البحث و الترجمة هو بيان مكانة المرأة في الإسلام , وكيف حظيت بتقدير العلماء ,فترجموا لها في كتب الأعلام وموسوعات التراجم دون تفريق بينها وبين الرجل , بالأضافة الي رغبتي في القاء الضوء علي حقبة تاريخية بأرض مصر العربية , غنية بالأعلام و الاحداث , كما أمل أن يكون هذا البحث حافزا وقدوة للمرأة في عصرنا وفي مجتمعنا للقيام بدورها والمساهمة بنصيبها في النهوض بالأبناء و المجتمع نحو التقدم والازدهار في جميع المجالات .
مولدها ونشأتها
السيدة الفاضلة والعالمة الجليلة أخت المزني والتي نستطيع ان نكنيها طبقا لما لدينا من معلومات بـ " أم احمد " , نشأت في جو يسوده العلم والتقوى والورع ، وفي وسط يزخر بالعلماء والعبّاد والزهّاد فقرأت القرءان وحفظته ، ودرست العلم ووعته ، وسمعت الحديث والفقه وفهمته , عرفت الحق فاتبعتة و التزمتة ، وعرفت الباطل فأنكرته واجتنبته، واجتهدت في طاعة اللة والعبادة , وفي طلب العلم والزيادة , فكانت من العابدات القانتات لله ، كما كانت مصباحًا أضاء الطريق للسالكين الحيارى ، ومعلمة لراغبين في الاستنارة , في الفقة الشافعي .
وهي مصرية المولد و الوفاة , أما الميلاد فكان علي الارجح في اواخر القرن الثاني , حيث تذكر لنا المصادر ان أخوها الامام اسماعيل المزني قد ولد في نفس الفترة وذلك بالفسطاط بأرض مصر الكنانة , وبقيت بها حتى تزوجت فرحلت الي بيت زوجها في صعيد مصر بعد ذلك ، وقد بارك الله لها في طفولتها ، فقد نشأت محاطة بالعزة والكرامة ، فلم تكد تشب عن الطوق حتى فرغت من حفظ كتاب الله تعالى ، وشيئًا غير قليل من السنّة النبوية وكانت لا تفارق أخها الإمام المزني ، فكان لها قدوة حسنة وأسوة صالحة , فأشرق صدرها بنور الإيمان منذ صغرها ، وخالطت نفسها حلاوة الطاعة وهي لازالت في بداية طريقها .
وأما في صبها وشبابها فقد يسر الله تبارك وتعالى لها الأحوال في عصرها , والذي كان غنيا بفطاحل العلماء والأئمة من الفقهاء ، والشيوخ الزهّاد والعبّاد , المصريين و الوافدين , من أمثال السيدة نفيسة رضي اللة عنها و الامام الشافعي وأخوها الامام المزني وغيرهم الكثير من الذين كانت مصر في ذلك الوقت وجهتهم وفيها وجدو أمنهم وضالتهم ، فساعد كل ذلك السيدة الفاضلة العالمة أخت المزني علي ان تنهل من العلوم و المعارف حتى عرفت بالعلم والفقة والصلاح ولقبت بالفقيهة الشافعية .
نسبها والتعريف بها
هي السيدة العالمة الفقيهة الشافعية ام أحمد بنت يحيى بن عمرو بن إسحاق بن مسلم بن نهدلة بن عبد الله المزني المصرية الشافعية , وهي أخت الإمام المزني صاحب الإمام الشافعي ( رحمهم الله تعالي ) ، وهي معروفة بالعلم والفقة والصلاح , وقد ذكرها السيوطي فيمن كان فى مصر من الفقهاء الشافعية.
وتنتسب الفقيهة الشافعية أخت المزني إلي قبيلة مزينة العدنانية من عمود النسب الشريف نسب النبي صلى الله عليه وسلم اذ تلتقي معه في الياس وهو جد لرسولنا الكريم . وقبيلة مزينة قد شرفها الله وأعزها بنصرة دينه ونبيه منذ فجر الإسلام , ومنها 104 صحابيين أجلاء وأثنى عليها النبى صلى الله عليه وسلم فى أكثر من موضع ودعا لها , ومن أشهر ابناء قبيلة مزينة الشاعر كعب بن زهير بن أبى سلمى ، وبشر بن المحتفر المزنى ، الفارس المشهور ، ومن هذه القبيلة أيضا الشاعرة خنساء بنت زهير، وغيرهم.. فرضوان الله عليهم أجمعين.
كما يروى أن وفدا قدم من مزينة على النبى صلى الله عليه وسلم وهم أربعمائة رجل، وقاتلوا معه فى غزوة حنين وعددهم ألف، واشتركوا فى فتح مكة ، وجاء فى صحيح مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال مثنيا على مزينة "الأنصار ومزينة وجهينة وغفار وأشجع ومن كان من بنى عبد الله موالى دون الناس والله ورسوله مولاهم"، كما أثنى على عدد من المنتمين إلى القبيلة مثل كعب بن زهير الذى أهداه الرسول بردته الشريفة.
ومن الأبيات الرائعة التي قالها ابن عم لها و احد شعراء قبيلتها الفطاحل وهو معن بن أوس المزني رحمه الله في الفخر بقبيلته :
مزينة قومي إن سالت فأنهـــــــم *** لهم عزة لا تستطيع لها نقلا
ولو سرت حتى مطلع الشمس لم تجد *** لقوم على قومي وإن كرموا فضلا
وتفيدنا كتب السير و التاريخ بأن جزء من هذة القبيلة الكريمة دخل مصر مع القائد الفاتح عمرو بن العاص رضي اللة عنة , ونزلت بالفسطاط بجانب المسجد الجامع ( جامع عمر بن العاص) كما ورد في كتاب الخطط للمقريزى حيث ذكر أهل الراية وهم جماعة من قريش والأنصار , ومزينة , وجهينة , وغيرهم .
وإذا كانت فقيهتنا عربية الاصول والجذور فهي ايضا مصرية المولد و الفروع , وصلة الرحم بين العرب والمصريين ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ , وعند الرجوع الي التاريخ نجد المصادر تخبرنا أن نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام قد تسرّى بهاجر ( مصرية ) فولدت له نبي الله إسماعيل عليه السلام ، فكان من نسله الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ، وأيضًا لقد تسرّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية ( مصرية) فولدت إبراهيم .
فعالمتنا الجليلة وفقيهتنا النبيهة السيدة أخت المزني ،ولدت ونشأت علي هذا ألإرث من الاصالة والجهاد والتضحية و الإقدام ، كما نبتت في ارض مصر السلام و الامان , ولاشك أن هذا ألإرث الخصب الغني كان له أثر كبير في نشأتها وفي ثقافتها العربية والأسلامية.
عصرها وتأثيرة علي علمها
عاشت السيدة أخت المزني فى أوائل القرن الثالث الهجري فى العصر العباسي والذي تميز بضعف الخلافة العباسية ، نتيجة لزيادة نفوذ الاتراك وتوليهم مقاليد الامور في الدولة , فكان عصر اضطراب وقلق وفوضي من الناحية السياسية فى عاصمة الخلافة العباسية بغداد ، وساءت الأحوال ، وكثرت الفتن ، مما اضطر بعض العلماء و الصالحين من أهل البيت و التابعين الي الرحيل من المدينة وبغداد و فلسطين الي أرض مصر حيث عاشو بسلام أمنيين , فكان في ذلك الخير لمصر و المصريين . ومن هؤلاء كانت السيدة نفيسة العلم رضي اللة عنها وأرضها , والإمام الشافعي رضي اللة عنة مما كان لة أثرا إجابي علي حياة عالمتنا وفقيهتنا الشافعية أخت المزني.
لقد كان المجتمع المصري المسلم فى ذلك الوقت يتمتع بجانب كبير من التدين والصلاح والتقوى ووفرة الأمن و الأمان ، وذلك لقربه من القرون الفاضلة ولتوفير أسباب الصلاح و لبعدة عن مركز الخلافة في بغداد , فكان يهتم عامة الناس بالعلم ، وتقدير العلماء واحترامهم ، وقيام العلماء بواجبهم فى الإصلاح ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر العلم ، والإنكار على الطرق المنحرفة فى الدين تفريطا وإفراط ، كما كان لصلاح الأمراء وتشجيعهم للعلماء الدافع الكبير لعجلة الإصلاح والإرشاد فى المجتمع آنذاك , فنشط التعليم في مصر على أثر تعدد المذاهب الفقهية ، و انحاز كل فريق من العلماء المصريين الى مذهب يأخذ به ، و يدفع عنه في اعتزاز و اعتدال ، و يعمل على تعليمه و نشره ، مما أثرا وأغني الحياة الثقافية والحركة العلمية الدينية المصرية في ذلك الوقت .
و ظل التعليم في مصر تعليما دينيا خالصا منضما اليه دراسة العلوم اللغوية التي لا بد منها لفهم القرآن والحديث، وقد وفد الى مصر علماء كثيرون من المدينة و العراق و غيرها من البلاد الاسلامية ، جاءوا يعلمون المصريين أحيانا أو يطلبون العلم في مصر أحيانا أخرى ، فقد جاء نافع فقيه أهل المدينة الى مصر كى يعلم المصريين ، و أقام بين
|