أولا: البعد التوحيدي للحال والهمة عند االشيخ سيدي حمزة
تعتبر مسألة الحال و الهمة من أهم الوسائل التربوية في الطريقة الصوفية و ذلك لما لهذا الموضوع من حضور قوي في علاقة المريد بشيخه من حيث إيصال المعاني إلى القلوب و التلقين الذوقي و السلوكي.
1 ) الحال بين المشروعية والموضوعية الواقعية.
فالحال في الطريقة يمكن تعريفه بالمفهوم الذي ذهب إليه القشيري من أنه "معنى يرد على القلب من غير تعمد منهم و لا اجتلاب و لا اكتساب لهم من طرب أو حزن أو قبض أو شوق أو انزعاج أو هيبة أو احتياج، فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب"[1]
وقد يأخذ الحال معنى الوجد الذي هو نتيجة حسية و انفعالية ناتجة عن المعاني الواردة على القلب كأصل للحال و محدد له، و هذا المعنى هو الغالب في مصطلح الطريقة القادرية البودشيشية.
ومن هنا فالمريدون فيها قد يعرفون أحوالا قوية و وجدا و تواجدا ظاهرا ومطردا، مما يعني تأكيدا بأنها مركز صحيح و قوي لتوارد المعاني التوحيدية على قلوب ملتزميها.
وهذا التوارد في الوجد و الحال ليس ناتجا عن كثرة الرياضة أو العبادة أو حتى الذكر في حد ذاته، إذ رب كثير ذكر لا يطرأ عليه الحال، بينما غيره أكثر تعرضا له واستفادة منه، كما أن من الأحوال ما يكون ظاهريا ملموسا، على شكل صعق أو اضطراب أعضاء أو صراخ و بكاء وما الى ذلك من الظواهر، في حين قد يوجد من المريدين من يتمتع بأحوال باطنية جد عميقة و دقيقة، و مع ذلك فقد لا تظهر عليهم أعراضها لأنها ليست هي المقصودة من الطريقة، و إن كانت مظهرا خاصا من مظاهرها ومميزاً لها عن سائر الطرق و الجماعات الإسلامية كيفما كانت مذهبيتها وأساليب رياضاتها و تكويناتها.
وقد يتوهم البعض أن هذه الأحوال ناتجة عن مجرد الذكر بصفة عامة، ولهذا فقد يسعى الى تحصيله اكتسابا، سواء كان من المنتمين الى الطريقة أو غيرهم لكن الأمر ليس كذلك عند الاعتبار و إن كان للذكر دور ما في تحصيل الحال.
نعم! قد تطرأ على بعض الذاكرين من غير المنتمين الى الطريقة أحوال ما، لكنها مهما ترقت و اطردت أو ترسخت فلن تصل الى مستوى حال الطريقة القادرية البودشيشية في قوة معانيه و وارداته و شدة تحريكه، و بالتالي عمق تمكنه من باطن المريد حتى يصبح علما عليه يعرف به، ربما قد يلازمه على وتيرة ما طوال حياته، رغم أن الحال أكثر تعرضا للتحول في أشكاله و هيئاته وتبعا لمعانيه و وارداته.
إضافة الى هذا فإن أغلب الأحوال لدى غير المنتمين الى الطريقة ناتجة عن الاكتساب و الاجتلاب الجماعي في أغلب الأحيان مع وجود إرادة لإيقافه ذاتيا، بينما الحال في الطريقة قد يكون واردا فرديا و جماعيا اجتلابيا ووهبيا عند الذكر وعند الفكر، كما أن إيقافه يكون بتوقف الوارد لا بإرادة الفقير المريد، و بالمفتاح المحمدي عند قولنا لصاحب الحال فردا أو جماعة " محمد رسول الله" صلى الله عليه وسلم .
والملاحظ في أحوال الفقراء بالطريقة هو شدة ورودها عند حضرة الشيخ سيدي حمزة، سواء في التجمعات العامة أو الخاصة، إذ مجرد طلعة الشيخ وظهوره قد يهز قلوب المريدين ويصعقهم أو يبكيهم، فمنهم من يرقص بإيقاع روحي ومنهم من يصيح ومنهم من ترتعد فرائصه ومنهم من لا يستطيع أن يصوب نظره الى الشيخ لشدة تهيبه من حضرته، حتى أن البعض قد يأتي الى الزاوية ولا يستطيع زيارة الشيخ لهذا السبب، رغم أن هؤلاء المريدين كلهم أو جلهم ذوو ثقافات عالية و في شتى العلوم سواء منها الشرعية أو الدنيوية، نظرية كانت أو تقنية، وتخصصات في علم الطب والنفس والإلكترونيات و الذرة وما الى ذلك.
هذا، إذا علمنا أن الشيخ يلزم الصمت في المجالس العامة فلا يتوهم حينئذ بأن هذه الأحوال الطارئة على هذه النخبة من العلماء و غيرهم من ذوي البصائر النيرة كانت نتيجة تحميس أو تسخين أو تهييج خطابي أو موسيقي إنشادي و ما الى ذلك.
فكيف يفسر هذا الحال إذن، هل بالجنون و الهستريا أو الصرع أم بالتصنع وحب الظهور بالورع أم بالهمة المرتبطة بقوة الإيمان و القرب من الله تعالى على وجه الشرع؟.
فالإفتراض الأول ملغي و مدفوع، لأن الجنون وصف ملازم لصاحبه في جميع تصرفاته، كما أنه لا ينتج سوى عكس المعقول و مخالفة المنقول، و حتى لو كان مؤقتا فإن توقيته يؤدي بصاحبه إما الى إضرار نفسه أو غيره بوجه ما، الى ما يلاقيه المجنون من ضيق نفسي و ضجر مرهق كنتيجة لقصور فكره أو خلله، إذ أغلب ما يكون جنونه حينما يتعرض لما لا يلائمه فيؤلمه و من ثم يقع صريع الجنون أو الهستريا كمظهر للتعويض عن عدم الإهتمام المولى له لإثارة الانتباه.
لكن الأمر عند أصحاب الأحوال في الطريقة خاصة ليس من نوع الجنون البتة ولا من طبيعة الضجر و ضيق الأفق الفكري أو نتيجة الإرهاق النفسي والعصبي و إفراغ المكبوتات، و إنما هو نتيجة الانشراح و الفرح والسرور لمعاني التوحيد و مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أنها نتيجة استدلالات ذوقية و شعورية تذكيرية من خلال الذكر و من خلال رؤية و صحبة المذكر بالذكر و هو الشيخ في قمة رزانته و اتزان أحواله و فكره و سلوكه.
ثم كيف توصف أحوال هؤلاء بالجنون و هم في عادي أعمالهم ووظائفهم قمة الانتظام والأمانة والانضباط، كما أن تآليفهم دالة على قوة فكرهم و رسوخ علمهم سواء في العلوم الشرعية أو الإنسانية و المادية بصفة عامة؟ أو ليس وصف الجنون ينبغي أن ينقلب عكسا على من يريد أن يسقطه على هؤلاء تعسفا وتوهما؟ أو لم يعد للعقل معنى إذا حكم استعجالا بالطارئ غير المفهوم على الغالب الساري المعلوم؟
فلقد أحسن الإمام أحمد رحمه الله حينما سئل عن الحال و ما يترتب عنه من صعق و اضطراب أعضاء في الظاهر إذ قال "قرئ القرآن على يحيى بن سعيد القطان فغشي عليه و لو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد فما رأيت أعقل منه "[2]
نعم فحينما يوصف الشخص بالعقل و السلوك الغالب عليه يصبح محكما في أعماله و أحواله، إذ يمكن اقتباس أو استنباط هذه القاعدة من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم و صحابته رضي الله عنهم، و ذلك في إلزامه قريشا التسليم بصدقه على شكل انتزاعه منهم إقرارا جماعيا بحكم ما رأوا فيه من الصدق المطلق و الرزانة التامة قبل المبعث و بعده، كما في الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى اله عليه وسلم خرج إلى البطحاء، فصعد الجبل فنادى "يا صباحاه" فاجتمعت إليه قريش فقال: أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني؟ قالوا نعم. قال "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبا لك. فأنزل الله " تبت يدا أبي لهب وتب" الى آخرها و في رواية " قالوا: ما جربنا عليك كذبا".
وأيضا قد نجد قريبا من هذا المعنى قول سعد بن معاذ بعدما أسلم على يدي مصعب بن عمير و انصرف الى قومه، قالوا: و الله لقد رجع سعد بغير الوجه الذي كان ذهب به فقال: يا بني عبد الأشهل كيف تعرفون أمري فيكم فقالوا سيدنا وأفضلنا، قال: فإن كلامكم و كلام رجالكم و نسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، فما أمسى في دار بني عبد الأشهل أحد حتى أسلم"[3]
ومن هنا فشيخ الطريقة القادرية البودشيشية و مريدوه من أعقل الناس في حياتهم العامة والعادية وأكثرهم اتزانا ورزانة في سلوكهم ومعاملاتهم، ولهذا فالحال إن طرأ عليهم يكون دليلا على قوة عقولهم لا على ضعفها، و على عمق شعورهم لا على سطحيته وتصنعه، لأنه صدر من أناس ما رأينا أعقل وأصدق منهم، بل كم من مجنون أو معتوه و كذا مجذوب و شبهه أتى الى الطريقة و التزم بأذكارها وتوجيهات شيخها حتى أصبح عاقلا ومنضبطا بعدما كان منذهلا ومثبطا وسالكا و صاحيا بعدما كان مجذوبا و عن محيطه ساهيا و هكذا . . .
ومن حيث اعتبار التصوف كظاهرة سيكولوجية من خلال بعض التصورات الحديثة لأحوال و أقوال ملتزميه، يقول علي سامي النشار: "ما لبث علم النفس أن أدلى بدلوه وحاول أن يحتضن التصوف ضمن أبحاثه، وأن يرى في التصوف ظاهرة نفسية و يحاول أن يفسر أحوال المتصوفة ومقاماتهم و مواجيدهم تفسيرا سيكولوجيا، و نحن نعلم أن مناهج علم النفس أصبحت كمناهج علم الاجتماع، مناهج علمية مادية و لها مقاييس و أحكام قد لا تنطبق تماما على التصوف ولا على المتصوفة، و نعطي مثالا هاما على هذا: إن حالة السكر والشرح والجذب تدخل في البحث السيكولوجي في نطاق الحالات الشاذة، أو أن تكلمنا بلغة طبية ستعتبر من حالة الصرع أو فقدان الشعور المطلق، أو حالات لا شعورية يتخبط فيها الصوفي تخبطا مرضيا باثولوجيا، ولكننا نرى الصوفية في هذه الحالة ينطقون أو يتلفظون بنظريات ميتافيزيقية وأخلاقية.
إن كثيرا من أرق الشعر الصوفي قد انطلق من الصوفية و هم في حالة الشطح أو الفناء أو خلع العذار، بينما يفترض في أصحاب حالة الصرع عدم القدرة على الإنتاج الفني أو الخلقي أو الإبداع الروحي أو الجمالي"[4].
فالرأي الذي ذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل و كذا علي سامي النشار حول اعتبار الحكم الغالب بالعقل و اتزان المقال على المغلوب بالوجد و اطراد الحال، قد يعتبره الشيخ سيدي حمزة على معنى قريب منه عبارة و استشهادا واقعيا وملموسا في حينه، و ذلك عند الدلالة على صدق أحواله و أحوال مريديه، إذ كثيرا ما يتساءل عند طروء حال في حضرته من طرف أحد المريدين أو مجموعهم، فيقول ما معناه بخصوص بعض ذوي الحيثيات الاجتماعية و المناصب الدنيوية: " و هذا فلان من الذي حركه و من الذي أبكاه، بينما المشهور عنه فيما قبل قساوة قلبه وتصنع مظهره لحيثيات منصبه بالإنضباط و السكون و التلفع بجلباب الاحتياط في قوله و حركته".
وهذا من أعظم الدلائل المؤكدة على صدق حال هؤلاء و بالتالي يجد مشروعيته في النصوص الجملية المؤكدة لحدوثها بسبب الذكر أو مباشرة الإيمان والتفكر في معانيه و استشعاره كقول الله تعالى: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا و على ربهم يتوكلون"[5] و " الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذي يخشون ربهم ثم تلين جلودهم و قلوبهم الى ذكر الله "[6]
وعن جبير بن مطعم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية:" أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون، أم خلقوا السموات و الأرض بل لا يوقنون، أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون " كاد قلبي أن يطير"[7]. إلى غيرها من الأدلة الشرعية المعبرة بالحقيقة أو المجاز عن أحوال القلوب و بكاء العيون والخر والصعق وما إلى ذلك.
وإذا كان فرض الجنون و الخلل النفسي أو العصبي مستبعدا من ظاهرة الحال في الطريقة خاصة، فإن فرض التصنع و التظاهر أكثر استبعادا و إقصاء من الاعتبار و الافتراض، لأن شخصية بارزة محترمة، وذات مستوى ثقافي معاصر الى أقصى درجة المعاصرة و اللياقة و اللباقة، لا يتصور منها أن تسعى الى البروز على مستوى الاضطراب أو الصراخ أو الصعق لإثارة انتباه أي كان، إذ أن حب الظهور غايته اكتساب الحظوة للتوقير و التعظيم في نفوس الناس، بينما المظاهر المعبرة عن عدم القدرة على الإرادة و الانتظام في الحركة و التلفظ قد تكون بالتأكيد مثيرة للاستغراب و الاستنكار بسبب حالة الاضطراب الظاهري، وذلك في نظر القاصرين عن فهم معنى الحال والمسقطين أوهامهم على فضائل وحقائق الغير.
إذن فالنتيجة من التظاهر أو التصنع ستكون عكس المقصود لا محالة، ولهذا فلن يقدم على هذا العمل إلا مجنون أو معتوه، و هذه الصفة كما بينا منفية ومستبعدة عن أصحاب الأحوال في الطريقة، فلن يبقى حينئذ سوى صدق الحال وسمو معانيه و بواعثه لديهم.
نعم، ربما قد يصدر نوع تصنع الحال أو شطحات أقوال عن بعض المريدين حديثي العهد بالطريقة أو ممن لم تتحدد لديهم خصوصية أحوالها، أو من ذوي الأوهام المرضية التي كانت عالقة بهم قبل انتمائهم إليها، ولكن هذا الصنف سرعان ما ينكشف زور حاله و أقواله أو يمل من تمثيله، إما لتعب بدني أو لتفطن أخلاقي يعود به إلى الجادة و التزام حاله الطبيعي إلى حين توارد الخاص بالطريقة عليه ذوقيا و روحيا و من ثم فلن يكون عليه ملام إن هو صعق أو صرخ أو رقص أو بكى.
وفي هذا المعنى يقول ابن تيمية "بأن الذي يسلم له حاله يشترط أن لا يكون سببه بمحرم و أنه مغلوب عليه، وأن الذي لا يسلم إليه حاله فمثل أن يعرف منه انه عاقل يتوله ليسقط عنه اللوم، أو يعرف منه انه يتواجد ويتساكر في وجده ليظن به خيرا ويرفع عنه الملام فيما يقع من الأمور المنكرة أو يعرف منه أن الحق قد تبين له، وأنه متبع لهواه، أو يعرف منه تجويز الانحراف عن موجب الشريعة المحمدية وأنه قد يتفوه بما يخالفها.."[8]
ومن هنا فتصنع الحال للتظاهر يحاسب صاحبه أخلاقيا و فقهيا، وهو ما يستشف من خلال موقف الشيخ سيدي حمزة الذي لا يقر تصنع الأحوال و إن كان مسموحا باجتلابها في حدود قواعد الطريقة بواسطة السماع والأمداح، لأنها تدخل في حكم من لم يبك فليتباكى، كما أنه ليس كل الحال في نظر الشيخ معبرا عن صدق المريد أو تقواه أو ثباته و إن كان من غير تصنع، و إنما قد يكون في بداياته عبارة عن انفعال المريد بروحانية شيخه لحوْمها حول قلبه علها تجد مستقرا ثابتا في باطنه، غير أنه في حالة عدم استقرار الحال في باطن المريد بسبب مخالفته في بعض سلوكه للأوامر الشرعية أو انعدام تصديقه بحال شيخه، فقد ينصرف ذلك الحال الحائم على قلبه، و لا يجد له أثرا كأن لم يكن، لأنه غير مؤهل أو مستعد له، و من ثم فقد يبقى المريد غير مؤهل لتلقي الحال و الاستقرار على صورة من صوره كتمثل قلبي عميق و معبر عن رسوخ قدمه في الطريق، وهذا ما عبر عنه شيخنا بلغة إجمالية في معنى مطابق لما أوردنا و فهمنا من خطابه و واقع أحوال هذا الصنف من المريدين، كما أن الذي يزول عنه هذا الحال المختبر لباطنه أو الباحث عن استقراره فيه ربما قد يولد لدى البعض تعودا عليه، فيبقى مجالا للتصنع و التظاهر سرعان ما يفتضح أمره فينسحب من الحلقة أو من الطريقة جملة لأنه لم يكن أهلا لها، و لم يكن صادقا في بداية إرادته و صحبته.
و إذا كان الحال عبارة عن معاني متواردة فإن التعبير عنها بلغة عادية ربما قد يؤدي إلى ما يعرف بالشطحات الصوفية عندما لا يوجد ضابط للتعبير علميا و تربويا، و لتفادي الشطح و الوقوع في التأويلات المثيرة للشبهات والمحاذية للانزلاقات فإن الشيخ ينهى عن الخوض في الشطحات الصوفية سواء على مستوى الدروس التوجيهية و التكوينية أو على مستوى التحاور الفردي والجماعي الخاص بين الفقراء.
و لقد تكرر موقف الشيخ من هذه المسألة عدة مرات أذكر من بينها أننا كنا ذات يوم في حضرته فأخذ بعضنا يطرح مسائل ذوقية لابن عربي وكذا أبي يزيد البسطامي و غيره، فكان من مواقفي أن نؤول ما ورد من أخبارهم فيما صح من نسبته إليهم أو أن نتحرى صدق الخبر أو كذبه فيما ينسب إليهم فنرفض ما ورد من الشطحات غير المقبولة في ظاهر عباراتها الصحيحة أو غير ذلك من قوادح الرواية.
و بعدما أدلى كل واحد منا برأيه و بحسب المنهج الذي اختاره كباحث في هذه المسألة العويصة من فكر الصوفية و تراثهم، تدخل شيخنا رضي الله عنه، موجها الخطاب إلي بصورة مركزة قائلا بأننا في الطريقة لا نحبذ الخوض في مثل هذه الإشكالات و المغمضات من الفكر الصوفي و إنما ينبغي أن نخاطب الناس بما يستسيغونه و يعرفونه عبارة و معنى ملتزمين في ذلك بقول الله تعالى"وما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا " و حتى إذا اقتضى الحال التعبير عن بعض المحصلات الذوقية في الطريقة فلا ينبغي أن يكون الخطاب مسموحا به إلا بين من هم في مستوى ذلك الذوق و المعنى، حتى لا تكون فتنة و لا يفهم الكلام على غير محمله الشرعي، إذ طريقتنا محمدية في أقوالها و سلوكها كما قال ما معناه في هذا المقام.
إذن فالحال و المقال في الطريقة القادرية البودشيشية هو معطى صادق وواقعي و شرعي، كما أنه مضبوط و منضبط و وهبي، و بالتالي فهو موضوعي و ليس ذاتيا و متصنعا، أو حتى مجتلبا في أغلب مظاهره وطروه.
ومع كل هذا فهو مرتبط بحال الشيخ الباطني و الظاهري المحمدي ارتباطا قويا، وللمريد به انفعال ملحوظ لا يماري فيه إلا معاند أو جاحد لمعطيات الواقع وضرورات العقل و الحس، بل له وحدة الشعور التي يجمع عليها كل منتمي صادق الى الطريقة ذاق فيها الحال فسلم لإخوانه بما يظهر منه عليهم فسعد وأسعد.
2 ) همة الحقيقة و صحوة الروح في الطريقة
وهذا الارتباط يؤسس قاعدة الفيض الروحي المتفق عليه عند الصوفية وهي مقتبسة من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث حنظلة و أبي بكر رضي الله عنهما في قولهما له " نكون عندك تذكرنا الجنة و النار كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج و الأولاد والضيعات نسينا كثيرا…" الحديث رواه مسلم.
وكذلك ما يروى في كتب السيرة عن مسلم في صحيحه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بالأبواء و هو ذاهب الى مكة عام الفتح استأذن ربه في زيارة قبر أمه، فأذن له، فبكى و أبكى من حوله، و كان معه ألف مقنع، يعني بالحديد"[9]
وأيضا حديث الجليس الصالح المعبر عنه بحامل المسك " فهو إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه و إما أن تجد منه ريحا طيبة" رواه البخاري ومسلم.
وهذه الظاهرة في انتقال الأحوال من بكاء وغيره قد نعيشها بصورة مكثفة في صحبة شيخنا سيدي حمزة مما يدل دلالة قوية على علو همته وقوة باطنه وارتباطه بالله تعالى إيمانا و قربا حقا يقينا.
إذ كما يقول السهروردي "فالمريد الصادق إذا دخل تحت حكم الشيخ
وصحبه وتأدب بآدابه، يسري من باطن الشيخ حال الى باطن المريد كسراج يقتبس من سراج"[10]
ويقول ابن عطاء الله السكندري " إنما شيخك من أخذت عنه و ليس شيخك من واجهتك عبارته، و إنما شيخك من أثرت فيك إشارته، و ليس شيخك من دعاك الى الباب وإنما شيخك من رفع بينك و بينه الحجاب، وليس شيخك من واجهك مقاله، وإنما شيخك من نهض بك حاله، شيخك هو الذي أخرجك من سجن الهوى ودخل بك على المولى…"[11]
ومن هذه المعاني والمعطيات كان ضروريا ربط الحال بالهمة على اعتبار أن هذه الأخيرة تكون ذات دور في حدوثه أو طروئه بالمناسبة الذوقية أو الاقتباس، مع اعتماد قاعدة "سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار " كما عبر بذلك ابن عطاء الله السكندري، إذ باطن المعتقد كما يقول ابن عربي الحاتمي " كون الله هو الفاعل للأشياء لا أثر فيها لهمة مخلوق و لا لسبب ظاهر و لا باطن، لعلمه بأن الأسباب إنما جعلها الله ابتلاء ليتميز من يقف عندها ممن لا يرى وقوع الفعل إلا بها ممن لا يرى ذلك، و يرى الفعل لله من ورائها عندها لا بها" و " اعلم أن الهمة يطلقها القوم بإزاء تجريد القلب والمنى و يطلقونها بإزاء أول صدق المريد و يطلقونها بإزاء جمع الهمم بصفاء الإلهام، فيقولون الهمة على ثلاث مراتب: همة تنبيه وهمة إرادة وهمة حقيقة"
والذي يهمنا بالدرجة الأولى في هذا المقام المرتبط بالحال والتواصل الروحي هو همة الحقيقة ذات البعد التوحيدي غاية وسلوكا، إذ يعرفها ابن عربي بأنها "جمع الهمم بصفاء الإلهام، فتلك همم الشيوخ الأكابر من أهل الله الذين جمعوا هممهم على الحق و صيروها واحدة لأحدية المتعلق هربا من الكثرة لا من أحديتها في الصفات كانت أو في النسب أو في الأسماء، و هم متميزون في ذلك، أي هم على طبقات مختلفة، و إن الله يعاملهم بحسب ما هم عليه لا يردهم عن ذلك، إذ لكل مقام وجه الى الحق، وإنما يفعل ذلك ليتميز الكثير الاختصاص بالله الذي اصطنعه الله لنفسه من عباد الله عن غيره من العبيد، فإن الله أنزل العالم بحسب المراتب لتعمير المراتب، فلو لم يقع التفاوت في العالم لكان بعض المراتب معطلا غير عامر، و ما في الوجود شيء معطل، بل هو معمور كله، فلا بد لكل مرتبة من عامر يكون حكمه بحسب مرتبته و لذلك فضل العالم بعضه بعضا وأصله في الإلهيات الأسماء الإلهية"[12].
فهمة الشيخ يمكن اعتبارها هبة من الله تعالى و تكريما له جزاء بحسب تطلعه الى القرب منه مقصدا و غاية، يتحقق بحديث الولي من خلال قول الله تعالى فيما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عنه حديثا قدسيا " وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، و رجله التي يمشي بها، و إن سألني لأعطينه و لئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت و أنا أكره مساءته" [13]كما مر بنا.
فأية همة أعلى ممن كان الحق سبحانه سمعه و بصره و يده و رجله بالمعنى الوارد في النص، إذ الحديث من جهة يحدد شخصية الولي باعتباره مركزا معرفيا وسلوكيا متميزا ومن جهة فإن ما يصدر عنه من الخوارق أو الظواهر المتقدمة والمرتقية على أحوال وسلوك الناس العاديين عامة ليس فعلا ذاتيا للشيخ، وإنما هو مناسب لقربه في حضرة الله تعالى و دليل تولي الله أمره بتوفيقه ونصرته وإظهار فضائله، لأن حركته وسكنته أصبحت مقتبسة من نور مشكاة النبوة و ليس وراءه نور يستضاء به على وجه الأرض، كما وصف الغزالي به مسلك الصوفية.
وهذا الاقتباس هو السبيل إلى تحصيل التأديب و العناية الربانية بالاختصاص، إذ همة الشخص تكون بحسب مستوى أستاذه و مؤدبه و ممده، وتعلق الشيخ بمشكاة النبوة طريقا و مسلكا وأسوة حسنة مؤدي بالضرورة الشرعية والتعدي التربوي الى ما عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "أدبني ربي فأحسن تأديبي".
ولهذا فهمة الشيخ مستمدة من هذا التأديب الذي هو أصل صفاء الهمم والموجه لها بحسب الاستعداد و الاختصاص في الاستمداد.
وشيخنا سيدي حمزة قد تظهر همته على مستويات واضحة للعيان ولأهل الجنان، من بينها خصوصا، همة التوجيه و التحريك و همة الخلقة والخلق. فأما همة التوجيه و التحريك فتبدو بصورة جلية عند مسألة الأحوال و تنقيل المريد عروجا روحيا من حركة إلى حركة بحسب استعداده و نظرة الشيخ نحوه أو إليه.
فقد لاحظنا في عدة مرات أن مجرد التفاتة الشيخ نحو ال